عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

194

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 7 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) لما ذكر تعالى أمر اليتامى ، وصله بذكر المواريث ، وهذا هو النّوع الرّابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة ، ويكون ما يتعلق بالمواريث . قال ابن عباس : سبب نزول هذه الآية أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمّه « 1 » وهما وصيّان له يقال لهما : سويد وعرفجة فأخذا ماله ، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا وكانوا في الجاهليّة لا يورثون النّساء ولا الصغار ، وإن كان الصغير ذكرا « 2 » إنما كانوا يورثون الرّجال ، ويقولون لا يعطى إلا من قاتل ، وطاعن بالرّمح ، وحاز القسمة وذبّ عن الحوزة ، فجأت أمّ كحّة « 3 » فقالت : يا رسول اللّه إن أوس بن ثابت مات ، وترك عليّ بنات ، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهنّ مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ارجعي إلى بيتك حتى أنظر فيما يحدث اللّه في أمرك » . فدعاهما رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلّا ، ولا ينكأ عدوّا فأنزل اللّه تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ يعني للذّكور مما ترك أولاد الميّت وأقربائه نَصِيبٌ حظّ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث ، وَلِلنِّساءِ نصيب ، ولكنه تعالى لم يبيّن المقدار في هذه الآية ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ، ولم يبيّن كم هو حتّى أنظر ما ينزل فيهنّ » فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سويد وعرفجة أن ادفعا إلى أمّ كحة الثمن وإلى بناته الثلثين ، ولكما باقي المال ، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية « 4 » . بين اللّه تعالى أن للنّساء حقا في الميراث خلافا لعادة العرب في الجاهليّة وذكره مجملا أولا ثم بيّنه بعد ذلك على سبيل التدريج ؛ لأنّ النّقل عن العادة يشق « 5 » ، فقال لهما : « ادفعا إليها نصيب بناتها الثّلثين ولكما باقي المال » . قوله : مِمَّا تَرَكَ هذا الجارّ في محل رفع ؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أي : نصيب

--> ( 1 ) في ب : لحمه . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 31 . ( 3 ) أم كجة بضم الكاف والحاء المهملة زوج أوس بن ثابت . نزلت فيها آية المواريث . ينظر أسد الغابة 7 / 381 . ( 4 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 217 ) وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس . وأخرجه الطبري ( 7 / 598 ) عن عكرمة مختصرا وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 218 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر . ( 5 ) في ب : مشتق .